المكتبة

المهاتما غاندي ما بين النضال والعنصرية

المهاتما غاندي

من منا لا يُكِن الاحترام لـ المهاتما غاندي، باعتباره بطل استقلال الهند ورائدا في الكفاح والمقاومة بشكل سلمي

لقد أصبح المهاتما غاندي بالنسبة إلينا رمزًا لكل ما هو خير، وصار الإيمان بملائكية أفعاله وأقواله يقينًا لا يدخل إليه شك.

ازدادت هذه الصورة المثالية لـ المهاتما غاندي قوةً بعد اغتياله عام 1948، فنُظِّف تاريخه من كل الشوائب، ودُفنت مساوئه من غير نقاش، وكان سهلًا على أتباعه التغاضي عن تناقضاته وطمس الوجه القبيح من حياته .

لكن هل تعلم أن المهاتما غاندي كان يمارس العنصرية ضد الأفارقة السود، وضد النساء؟ 
كل ذلك سنتناوله بشئ من التفصيل في مقالنا

في هذه المرة سنتحدث عن شخصية أثرت في تاريخ الهند بشكل كبير و كانت سبب من اسباب استقلال الهند و السبب في اخذ الهنود حقوقهم وسط الاستعمار، كيف قام بهذا؟ بواسطة كلماته و قيمه و فلسفته.
من هو المهاتما غاندي؟

اسمه بالكامل هو “موهانداس كرمشاند غاندي”،  و المشهور بـ المهاتما غاندي و هذا الاسم يعني: ” الروح العظيمة”، ولد في ٢ من اكتوبر عام ١٨٦٩ في الهند

كان والده مارامشاند غاندي رئيسًا للوزراء في بورابندار و دول اخرى في غرب الهند، و كانت والدته بوتليباي امرأة شديدة التدين و منتظمة الصيام؛ فكبر غاندي عابدًا للإله الهندوسي فيشنو و كان من اتباع الجاينية و هي ديانة هندية قديمة تتبنى مبادئ اللاعنف و الصيام و التأمل و اعتماد انظمة غذائية نباتية.

تزوج و هو في الثالثة عشر زواجًا تقليديًا من ابنة تاجر تدعى كاستوربا ماكانجي.
لكنه تمرد مع مرور السنين فبدأ في التدخين و تناول اللحوم و سرقة النقود من خدم المنزل

تأثر المهاتما غاندي من وفاة والده في عام ١٨٨٥، كما انه كان يريد ان يكون طبيبًا لكن والده كان يأمل ان يصبح وزيرًا في الحكومة فوجهته اسرته إلى مهنة المحاماة

• رحلات المهاتما غاندي

ذهب إلى لندن و هو في الثامنة عشر لدراسة القانون و عاد إلى الهند في عام ١٨٩١ و علم ان والدته قد توفيت قبل اسابيع من عودته

عندما بدأ مهنة المحاماة اخفق في اول قضية له بسبب توتره و هرب من قاعة المحكمة بعدما حصل على اتعابه القانونية.

لكنه كافح بعدها حتى حصل على عقد لسنة واحدة مقابل ادائه خدمات قانونية في جنوب افريقيا

كانت جنوب افريقيا مستعمرة بريطانية كالهند و بها العديد من العمال الهنود الذي دافع المهاتما غاندي عنهم و عن حقوقهم امام الشركات البريطانية التي كانوا يعملون فيها
و مكث هناك من عام ١٨٩٣ الى عام ١٩١٥

لكن حدث موقف هناك ادى إلى تغيير حياة المهاتما غاندي و بث فيه روح القضاء على مرض التمييز و العنصرية حيث كان في رحلة قطار إلى بريتوريا عندما اعترض رجل ابيض على وجوده في مقصورة من الدرجة الاولى على الرغم من انه يحمل تذكرة القطار لكن المهاتما غاندي رفض الانتقال من مكانه فسُحب بالقوة و ألقي من على القطار في محطة بيتر ماريتزبرج
هذا الموقف ايقظ بداخله ثورة و كرس نفسه لمحاربة مرض التحيز اللوني

و من ثمرات جهوده هناك

1-    اعاد الثقة الى ابناء الجالية الهندية المهاجرة و تخليصهم من عقد الخوف و النقص و رفع مستواهم الاخلاقي.

2-    انشاء صحيفة الرأي الهندي التي دعا عبرها ال فلسفة اللاعنف.

3-    تأسيس حزب المؤتمر الهندي لنتال ليدافع عبره عن حقوق العمال الهنود.و استقال من حزب المؤتمر في عام ١٩٣٤ و تفرغ للمشكلات الاقتصادية التي كان يعاني منها الريف الهندي، و في عام ١٩٣٧ شجع الحزب على المشاركة في الانتخابات معتبرا ان دستور عام ١٩٣٥ يشكل ضمانة كافية و حد ادنى من المصداقية و الحياد.

4-    محاربة قانون كان يحرم الهنود من حق التصويت.

5-   تغيير ما كان يعرف ب المرسوم الاسيوي الذي يفرض على الهنود تسجيل انفسهم في سجلات خاصة.

6-    ثني الحكومة البريطانية عن عزمها تحديد الهجرة الهندية إلى جنوب افريقيا.

7-    مكافحة قانون الغاء عقود الزواج غير المسيحية.

عاد من جنوب افريقيا الى الهند عام ١٩١٥
و في سنوات قليلة اصبح الزعيم الاكثر شعبية و ركز عمله على النضال ضد الظلم الاجتماعي من جهة و ضد الاستعمار من جهة اخرى و اهتم بمشاكل العمال و الفلاحين و المنبوذين
لكن عند اندلاع حرب البوير انشأ فريق من سيارات الاسعاف و جميع عمالها من الهنود و فيها ١١٠٠ متطوع لدعم الجانب البريطاني

و قال وقتها: ” إذا كان الهنود يتوقعون ان يتمتعوا بحقوق مواطنة كاملة في الإمبراطورية البريطانية فإنهم بحاجة ايضًا إلى القيام بمسؤولياتهم.”
و لكن للأسف تم اعتقاله اكثر من مرة

● اعتقاله

في سنة ١٩٢٢ قاد حركة عصيان مدنى تحولت إلى صدام بين الجماهير والشرطة البريطانية، ما دفعه إلى إيقاف هذه الحركة، لكن حُكم عليه بالسجن ست سنوات، وأفرج عنه في ١٩٢٤.
في هذه اللحظة نفسها (في مارس سنة ١٩٢٢) عندما توجه إليه النائب العام بتهمة إثارة الناس بمنشوراته، حتى اقترفوا ما اقترفوه من ألوان العنف في ثورة 1921، أجابه المهاتما غاندي بعبارة رفعتْه فوراً إلى ذروة الشرف، إذ قال:

«أحب أن أؤيد ما ألقاه النائب العام العلاّمة على كتفي من لوم فيما يخص الحوادث التي وقعت في بمباي ومدراس وشاوري شاورا؛ لأنني إذا ما فكرت في هذه الحوادث تفكيراً عميقاً، وتدبرت أمرها ليلة بعد ليلة، تبين لي أنه من المستحيل علي أن أتخلى عن هذه الجرائم الشيطانية… إن النائب العام العلاَّمة على حق لا شبهة فيه حين يقول إنني باعتباري رجلاً مسئولاً، وباعتباري كذلك رجلاً قد ظفر بقسط من التعليم لا بأس به.

كان ينبغي علي أن أعرف النتائج التي تترتب على كل فعل من أفعالي؛ لقد كنت أعلم أنني ألعب بالنار، وأقدمت على المغامرة، ولو أطلق سراحي لأعدتُ من جديد ما فعلته؛ إني أحسست هذا الصباح أنني أفشل في أداء واجبي إذا لم أقل ما أقوله هنا الآن. أردت أن أجتنب العنف، وما زلت أريد اجتناب العنف، فاجتناب العنف هو المادة الأولى في قائمة إيماني، وهو كذلك المادة الأخيرة، من مواد عقيدتي؛ لكن لم يكن لي بد من الاختيار، فإما أن أخضع لنظام الحكم الذي هو في رأيي قد ألحق ببلادي ضرراً يستحيل إصلاحه،

وإما أن أتعرض للخطر الناشئ عن ثورة بني وطني ثورة غاضبة هوجاء ينفجر بركانها إذا ما عرفوا حقيقة الأمر من بين شفتي، إني لأعلم أن بني وطني قد جاوزوا حدود المعقول أحياناً، وإني لآسف لهذا أسفاً شديداً، ولذلك فأنا واقف هاهنا لأتقبل، لا أخف ما تفرضونه من عقوبة، بل أقسى ما تنزلونه من عقاب؛ إنني لا أطلب الرحمة، ولا أتوسل إليكم أن تخففوا عني العقاب، إنني هنا – إذن – لأرحب وأتقبل راضياً أقسى عقوبة يمكن معاقبتي بها على ما يعدّه القانون جريمة مقصودة، وما يبدو لي أنه أسمى ما يجب على المواطن أداؤه.»

تحدى المهاتما غاندى القوانين البريطانية التي كانت تحتكر استخراج الملح وقاد مسيرة الملح التي توجه بها إلى البحر وفى ١٩٣١ أنهى هذا العصيان بعد توصل الطرفين إلى حل وسط ووُقِّعت معاهدة (غاندى/ إيروين)، وفى عام ١٩٤٠ عاد إلى حملات العصيان مرة أخرى مطالبا بالاستقلال، واستمر هذا العصيان حتى ١٩٤١، وإزاء الخطر اليابانى المحدق حاولت السلطات البريطانية المصالحة مع الحركة الاستقلالية الهندية.

وقبل المهاتما غاندى في ١٩٤٣ ولأول مرة، دخول الهند في الحرب ضد دول المحور على خلفية وعد بريطانى بالحصول على الاستقلال، وقال للإنجليز «اتركوا الهند وأنتم أسياد»، لكن هذا لم يعجب السلطات البريطانية فشنت حملة اعتقالات شملت غاندى ثم أفرج عنه عام ١٩٤٤.
ومع اقتراب الهند من نيل الاستقلال في ١٩٤٥ ظهرت الدعوات الانفصالية لتقسيم الهند إلى دولتين بين المسلمين والهندوس، وحاول غاندى إقناع محمد على جناح الذي كان على رأس الداعين إلى هذا الانفصال بالعدول عن توجهاته لكنه فشل.

المهاتما غاندي

● سقوط المهاتما غاندي

وفى ١٦ أغسطس ١٩٤٧ أعلن «جناح» تقسيم الهند، وسادت الاضطرابات الدينية التي سقط فيها ستة آلاف قتيل وتزايد التوتر بين الهند وباكستان بشأن كشمير، وسقط العديد من القتلى في الاشتباكات المسلحة التي نشبت بينهما، وأخذ غاندى يدعو إلى إعادة الوحدة الوطنية بين الهنود والمسلمين طالبا بشكل خاص من الأكثرية الهندوسية احترام حقوق الأقلية المسلمة، ولم ترق دعوته للأغلبية الهندوسية باحترام حقوق الأقلية المسلمة، واعتبرتها بعض الفئات الهندوسية خيانة عظمى، فقررت التخلص منه، وبالفعل في ٣٠ يناير ١٩٤٨ قام أحد الهندوس المتعصبين باغتيال المهاتما غاندى.

و قال قبل موته مقولته الأشهر و هي “في البداية يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر”

– 10 قصص نجاح مؤثرة |من الصفر الي قمة المجد

● من مقولات المهاتما غاندي :

*ناشد غاندي مؤيديه بعدم الاستسلام، قائلا: “يجب ألا تفقدوا الأمل في الإنسانية، أن الإنسانية محيط وإذا ما كانت بضع قطرات من المحيط قذرة فلا يصبح المحيط بأكمله قذرا”.

*وكشف عن الفارق بين المقاومة السلمية والضعف، موضحا ”الضعيف لا يمكن أن يسامح، فالتسامح من صفات الاقوياء”، كما أظهر جانبه الإنساني الشديد في قوله ”لم أتعلم لعبة الشطرنج لأنى لم أحب أن أقتل جيشى وجنودى كى يعيش الملك”.

*الـ “لا” التي تلفظ عن قناعة عميقة أفضل من الـ “نعم” التي تلفظ لمجرد الإرضاء، أو أسوأ من ذلك، لتجنب المتاعب.

*في الصلاة، من الأفضل أن يكون لديك قلب بلا كلمات عوضاً عن كلمات بلا قلب.

*يكمن المجد في محاولة الشخص الوصول إلى هدف وليس عند الوصول إليه.

● الجانب المظلم لـ المهاتما غاندي

من يقرأ سيرته الذاتية يرى انه شخص سوي نفسيًا إلى حد كبير و مسالم و رافض للعنصرية، لكن في الواقع كان لغاندي جانب مظلم آخر لم يذكره سوى القليل من الناس و الغريب في هذا الجانب انه جانب عنصري!!

كان المهاتما غاندي يدافع عن جميع الديانات و يرى ان الجميع له حق اتباع الديانة التي يريدها و كان يدافع عن المواطنين الهنود لكنه كان يكره الافارقة جدًا و كان ينعتهم “بالسود” لكنه لم يذكر ذلك في سيرته الذاتية بالطبع و لم يسرد المواقف التي اثبتت هذا

ومن هذه المواقف مثلًا عدم ذكر العريضة التي أصدرها عام 1895 للاعتراض على الوضع القانوني المتدني للهنود، والتي عبَّر فيها عن خشيته من أن يفسد هذا الوضع عاداتهم المتحضرة، ويدفعها إلى التدهور حتى تصبح كعادات السكان الأصليين لجنوب إفريقيا. غير ذلك، استشاط المهاتما غاندي من الغيظ حين عرف بسماح السلطات للأفارقة بالعيش جنبًا إلى جنب مع الهنود في مدينة جوهانسبرغ، ورأى في ذلك ظلمًا شديدًا لأبناء جنسه، وطالب بطرد السود من البلد.

وفي عام 1903، نادى المهاتما غاندي بضرورة هيمنة العِرق الأبيض على السكان في جنوب إفريقيا، وبعدها بخمس سنوات، حين زُجَّ به في السجن، احتجَّ على إيداع المساجين الهنود في زنازين مع الأفارقة بدلًا من البيض.

كما انه كان عنصري مع المرأة فكان متحيزًا لحقوق الرجال و كان يرى ان المرأة السبب في العديد من المشكلات و ليس لها الحق في الاعتراض!
و من الواضح ان كان لديه مشكلة مع رغبته الجنسية، حيث كان ينام عاريًا بجانب النساء كي يتأكد انه لن يستثار و اصبح متحكمًا في هذا.

و خلال وجوده في جنوب إفريقيا، عبَّر المهاتما غاندي عن كراهيتة واحتقارخ للمرأة استمرَّا معه طَوَال حياته، فقد حدث في هذه الفترة أن تحرش شاب بفتاتين من أتباعه، فلم يكتف المهاتما غاندي بتحميلهما كامل الإثم عمَّا حدث، وإنما عمد بنفسه إلى قص شعرهما حتى يضمن أنهما لن يثيرا شهوة أي رجل مستقبلًا

حيث اعتقد المهاتما غاندي أن الرجل غير قادر على التحكم في غرائزه، وأن المرأة هي المسؤولة بالتالي عن تحفيز هذه الغرائز.

أخذ غاندي فيما بعد قرارًا بالتوقف عن ممارسة الجنس كي يصل إلى أقصى «درجات الطهارة»، لكنه لم يكترث برأي زوجته «كاستوربا» ولم يُناقشها مُطلقًا بخصوص الأمر، و على حسب ما ذُكِر فإن المهاتما غاندي كان لا يمتلك اي نوع من انواع الاحترام تجاه زوجته و في حين انها كانت تراعيه اثناء مرضه كان يسخر منها امام اصدقائه و يقول انه لا يقدر على ان ينظر لوجهها القبيح هذا.

و عندما مرضت كاستوربا بالالتهاب الرئوي ونصحها الأطباء بتناول الأنسولين، رفض المهاتما إعطاءها الدواء لأنه مادة غريبة عن طبيعة جسمها في رأيه، فماتت زوجته بعد فترة تحت تأثير المرض.

تعلَّم المهاتما غاندي من أخطائه بعدها، وعندما أصيب لاحقًا بالملاريا واظب على تناول العلاج حتى شُفي.

ما سأقوله في الختام قد تكون وجهة نظر شخصية إلى حد كبير، لكني ارى ان الاشخاص الذين يتعاملون بحِكمة و مثالية مُفرِطة و يبالغون في اظهار الطيبة و السلام يكون لديهم جانب مظلم يحمل العديد من العُقد التي قد تؤذي من حولهم او تؤذيهم

نحن لسنا ملائكة، مسموح لنا بالخطأ مثلما مسموح لنا بالتكفير عنه فلا تمنع نفسك من ارتكاب الخطأ حتى لا تجد في نفسك جانب مليء بالمشاعر السلبية و رغبات عدوانية اتجاه كل شيء و تضطر إلى إدخال اشخاص ليس لهم ذنب في هذا الجانب او قضاء ليلك بطوله فيه وحدك.
و بما اننا ذكرنا جانبه المظلم و لطخنا مثاليته فاسمح لي ان أُكمِل الختام بمقولته:
“ليس من الحكمة أن يكون الإنسان متأكداً من حكمته، أنه أمر صحي أن يتم تذكيره بأنّ الأقوى يمكن أن يضعف، والأكثر حكمة يمكن أن يخطئ.”

قائمة المراجع :
Broadly – BBC

بقلم / إسراء ياسر

السابق
3 خطوات لإنشاء استراتيجية تسويق محتوى قوية للشركات الصغيرة
التالي
أهم الفيتامينات التي يحتاجها الجسم وأعراض نقصها

اترك رد